كانت المريضات المسنّات في بلدة هايد البريطانية الصغيرة يتمنّى كل منهن أن يكون طبيبها الخاص هو الدكتور هارولد شيبمان.

رجل في الخمسين، ذو نظارة مستديرة ولحية رمادية خفيفة. هادئ. صبور. يزورك في البيت إذا تعذّر عليكِ الحضور إلى العيادة. يجلس ويسمع. لا يتعجّل. يمسك يدكِ وأنتِ خائفة.

حين مات أحد مرضاه، كان الجيران يقولون: "على الأقل كان الدكتور شيبمان معه في آخر لحظاته."

لم يعلم أحد — لا الجيران، ولا أسر الضحايا، ولا السلطات، ولا حتى زملاؤه الأطباء — أن شيبمان كان هو سبب الوفاة.

مئتان وخمسة عشر ضحية موثّقة. ربما أكثر. وعشرون عاماً من القتل دون أن يشك فيه أحد.

هذه قصة أكبر قاتل متسلسل في التاريخ البريطاني — والأخطر أنه لم يبدُ يوماً مريباً.

الفصل الأول — طفولة رسمت كل شيء

وُلد هارولد فريدريك شيبمان في يناير 1946 في مدينة نوتينغهام الإنجليزية. لم يكن طفلاً عادياً — كان الابن المفضّل، الأذكى، الذي تحمله أمه بعيداً عن أطفال الحي الآخرين كأنه قطعة من زجاج نادر.

أمه فيرا كانت المرأة الأهم في حياته بلا منازع. كانت تمرض كثيراً — سرطان رئة أنهكها ببطء. وكان هارولد الصغير يجلس بجانبها كل يوم بعد المدرسة، يراقب الطبيب حين يأتي ويحقن أمه بالمورفين لتخفيف ألمها، فيرتاح وجهها ويهدأ.

ماتت فيرا وعمره سبعة عشر عاماً.

لم يتحدث هارولد عن تأثير ذلك عليه أبداً. لكن المحللين النفسيين الذين درسوا قضيته لاحقاً توقفوا طويلاً عند مشهد واحد: طفل يرى أن الإبرة تمنح الراحة وتوقف الألم — وأن الطبيب هو من يملك هذه القدرة الشبه إلهية.

التحق بكلية الطب. تخرّج. وبدأت القصة.

الفصل الثاني — البداية الخفية

في عام 1975، وبينما كان يعمل في عيادة في مدينة تودموردن، اكتُشف أن شيبمان يصف لنفسه كميات كبيرة من عقار البيثيدين — مسكن ألم أفيوني قوي — باسم مرضاه الوهميين. كان يحقنه لنفسه. اعترف. دفع غرامة مالية. خضع لعلاج إدمان.

ومن المفارقات الصارخة: سُمح له بالعودة إلى ممارسة الطب.

في عام 1977، انتقل إلى بلدة هايد الهادئة في ضواحي مانشستر. افتتح عيادته. وبدأ ما لم يكتشفه أحد إلا بعد عقود.

أسلوبه كان ثابتاً لا يتغير: يزور مريضاً مسناً في منزله، يحقنه بجرعة قاتلة من الهيروين الطبي (الدايامورفين)، ثم يجلس وينتظر. وحين يتوفى، يملأ شهادة الوفاة بيده — مكتوباً فيها سبب طبيعي. لا أحد يطعن في تشخيص الطبيب المحبوب. لا أحد يطلب تشريحاً.

وهكذا سنة بعد سنة، ضحية بعد ضحية.

الفصل الثالث — الأرقام التي كان يجب أن تُنبّه أحداً

المقلق — والمخزي — في قضية شيبمان أن العلامات كانت موجودة. كانت صارخة في الواقع. لكن لم ينظر إليها أحد بالشكل الصحيح.

معدّل وفيات مرضاه كان ثلاثة أضعاف معدّل الأطباء الآخرين في المنطقة. كان يُشهد على وصايا مرضاه في اليوم ذاته الذي يموتون فيه. معظم ضحاياه من النساء المسنّات. ومعظمهن ماتت وهي في وضع الجلوس — وهو وضع غير معتاد للوفاة الطبيعية.

في عام 1997، رفعت إحدى شركات الجنازات المحلية تقريراً تُبدي فيه قلقها من عدد الوفيات المرتبطة بشيبمان. حفّظ الشرطة القضية وأغلقتها.

استمر شيبمان في العمل.

الفصل الرابع — الخطأ الوحيد

في يونيو 1998، توفيت كاثلين غرندي — 81 عاماً، رئيسة بلدية سابقة، نشيطة وبصحة جيدة نسبياً. مات فجأة، وشيبمان هو من أعلن وفاتها.

بعد أسابيع، فوجئت ابنتها المحامية أنجيلا وودروف بأن وصية أمها تتركّ كل ممتلكاتها — بما فيها منزلها — للدكتور شيبمان.

لم تصدّق أنجيلا. كانت وصيتها الأصلية تترك كل شيء لأحفادها. كيف تغيّرت فجأة قبل يومين من وفاتها؟

اتصلت بالشرطة. طلبت تشريح جثة أمها. وجد المحققون في جسد كاثلين غرندي جرعة قاتلة من الهيروين الطبي.

فُتحت القضية. وبدأ المحققون يحفرون — بالمعنى الحرفي. أُعيد فتح القبور.

جثة بعد جثة، كشفت التشاريح الرواية ذاتها: هيروين طبي بجرعات مميتة. وشيبمان آخر من رآهم.

الفصل الخامس — اليوم الذي انهار فيه القناع

في أكتوبر 1999، بدأت محاكمة هارولد شيبمان في محكمة بريستون. المتهم: قتل خمس عشرة مريضة.

جلس شيبمان في قفص الاتهام بهدوء مثير للاشمئزاز. لم يُبدِ ندماً. لم يعترف. وحين سُئل عن تفسيره لوجود الهيروين في جثث مرضاه، ادّعى أنهم كانوا يتعاطونه سراً.

لم يصدّق القضاة. ولا المحلفون. ولا أحد في قاعة المحكمة.

في يناير 2000، صدر الحكم: مذنب في خمسة عشر جريمة قتل. السجن المؤبد.

لكن التحقيق لم ينته. لجنة رسمية شُكّلت لمراجعة كل وفاة مرتبطة به خلال عشرين سنة. بعد ثلاث سنوات من العمل المضني، نشرت اللجنة تقريرها الصادم:

215 حالة قتل موثّقة. وربما أكثر لم تُثبت لعدم وجود رفات أو أدلة كافية.

شيبمان هو أكثر القتلة المتسلسلين إدانةً في التاريخ البريطاني على الإطلاق.

الفصل الأخير — السؤال الذي لا إجابة له

في صباح الثالث عشر من يناير 2004 — قبل يوم واحد من عيد ميلاده الثامن والخمسين — وُجد هارولد شيبمان معلّقاً في زنزانته في سجن ويكفيلد. انتحر بربطة رقبة ملفوفة حول قضبان النافذة.

مات دون أن يعترف بجريمة واحدة. دون أن يشرح دوافعه. دون أن يعتذر لعائلة واحدة من عائلات ضحاياه.

لا أحد يعرف حتى اليوم لماذا كان يقتل. هل كان يستمتع بالسيطرة على لحظة الموت؟ هل كان يعيش من جديد ذكرى أمه وهو يراقب الأنفاس تتوقف؟ هل كان يعتقد أنه يريح المرضى المسنّين من عذابهم؟

المحقق النفسي الرئيسي في قضيته قال في نهاية تقريره جملة واحدة بعد صفحات من التحليل:

"لا نعرف. وربما لن نعرف أبداً."

ما نعرفه هو هذا: في بلدة هادئة في شمال إنجلترا، كان طبيب محبوب يطرق أبواب البيوت بحقيبته الجلدية السوداء. يجلس. يبتسم. يحقن. وينتظر.

ومات مئتان وخمسة عشر شخصاً يعتقدون أنه جاء ليساعدهم.