سفينة قديمة تشق المحيط في ضباب كثيف عند الغسق

في 5 ديسمبر 1872، لمح ربّان السفينة الكندية Dei Gratia عبر تلسكوبه في المحيط الأطلسي سفينةً تتقدّم نحوه ببطء غريب. شراعها منتفخ بالريح بشكل جزئي. لا اتجاه واضح. تميل يميناً وشمالاً بشكل غير منتظم.

ربّان الـ Dei Gratia أرسل قارباً للتحقق.

حين صعد البحارة إلى ظهر السفينة — وجدوا شيئاً لا يستطيعون تفسيره حتى اليوم.

الطعام على الطاولة. الملابس في الخزائن. حواجز الأطفال في مكانها. البضاعة في العنبر. القوارب الإنقاذية... غائبة. والسفينة بأكملها: بلا روح واحدة على متنها.

السفينة كانت ماري سيليست. ولم يُعثر على أحد من طاقمها — ولا أي تفسير لغيابهم — حتى هذه اللحظة بعد 150 سنة.

ماري سيليست — من هي؟

ميناء قديم بسفن شراعية خشبية ترسو في الغروب

بُنيت السفينة Mary Celeste في نوفا سكوشا بكندا عام 1861. طولها 31 متراً. حمولتها 282 طناً. سفينة شحن تجارية لا أكثر — عادية بكل المقاييس.

لكن لها سجل يُثير التساؤل: كانت تُعرف قبل اسمها الأشهر باسم Amazon — وفي تاريخها المبكر شهدت سلسلة من الحوادث غير العادية. ربّانها الأول مرض ومات بعد رحلتها الأولى مباشرة. خلال رحلتها التالية تصادمت مع قارب آخر. ثم جنحت. ثم بيعت واشتُريت عدة مرات وغيّرت اسمها إلى ماري سيليست.

بعض البحارة المخضرمين قالوا عنها في وقتها: "هذه سفينة منحوسة." واحد منهم رفض الإبحار عليها لهذا السبب.

الربّان بريغز — الرجل الذي لم يُخطئ أبداً

الربّان الذي كان على متنها في رحلتها الأخيرة كان بنيامين سبولدينغ بريغز — عمره 37 عاماً. بحّار من عائلة بحّارين في ماساتشوستس. سمعته لا تشوبها شائبة. 17 سنة في البحر. رحلات ناجحة. ملف نظيف.

كان بريغز يُحبّ أسرته. في هذه الرحلة — وهو ما يفعله نادراً — أصطحب معه زوجته سارة وابنتهما سوفيا ذات السنتين. والابن الكبير آثر تركه لأنه كان في المدرسة.

قبل الإبحار بأيام، كتب بريغز رسالة لأمه قال فيها:

"أتطلّع إلى رحلة ممتعة. السفينة في حالة ممتازة. الطقس في هذا الوقت من العام مؤاتٍ. أتوقع وصولاً مريحاً إلى جنوى."

لم يصل إلى جنوى. ولم يُرَ مرة أخرى.

الرحلة — ما نعرفه من السجل الرسمي

في 7 نوفمبر 1872، أقلعت ماري سيليست من ميناء نيويورك متجهةً إلى جنوى، إيطاليا. على متنها: الربّان بريغز وزوجته وابنته وثمانية بحارة. وفي عنبر البضاعة: 1,701 برميل من الكحول الصناعي (إيثانول).

آخر إدخال في سجل السفينة كان بتاريخ 25 نوفمبر 1872. وصف موقعها على بُعد 10 أميال من جزيرة سانتا ماريا في أرخبيل الأزور. لا شيء مثيراً. يوم عادي. طقس اعتيادي.

بعد ذلك التاريخ: لا شيء في السجل. والبحر أبلع الجواب.

ما وجده البحارة على متنها

غرفة سفينة قديمة مظلمة بأثاث خشبي وضوء خافت

حين فتش بحارة الـ Dei Gratia ماري سيليست — دوّنوا كل ما وجدوا في تقرير تفصيلي أُودع في المحاكم البريطانية في جبل طارق. هذا التقرير موجود حتى اليوم ويُكشف عن تفاصيل لا تُنسى:

  • المخزن مفتوح من الداخل لا من الخارج — أي أن من فتحه كان على متن السفينة.
  • على الطاولة في كابينة الربّان: كوب شاي لا يزال دافئاً. طبق أكل لم يُكتمَل.
  • في غرفة الربّان: كتاب الصلاة مفتوح. ساعة معلّقة تُدقّق. ملابس مرتّبة.
  • ملابس طفلة صغيرة مطوية بعناية.
  • آلة موسيقية (ملودية صغيرة) مفتوحة على نوتة موسيقية.
  • ربطة خيط ممتدة خلف السفينة في الماء — يبدو أنها كانت مشدودة بشيء ما ثم انقطعت.
  • قارب الإنقاذ الرئيسي: مفقود.
  • مضخة الماء كانت تعمل — البحارة كان عليهم تفريغ كمية ماء دخلت إلى السفينة.
  • بوصلة السفينة مكسورة.

لم يُجد البحث في المحيط عن أي شخص. لا جثث. لا قارب. لا أثر.

الأشياء التي لم تُفسَّر — التفاصيل المزعجة

كل نظرية تفسّر بعض ما حدث — لكن لا نظرية تفسّر كل شيء:

1. الطعام الدافئ: إذا كانت السفينة قد مرّت بكارثة — لماذا كان الطعام لا يزال دافئاً؟ لا أزمة تبدأ وينهي فيها الناس طعامهم بهدوء قبل المغادرة.

2. الملابس المطوية: إذا كانت هناك حالة طوارئ تستدعي إخلاء عاجلاً — لماذا الملابس مطوية؟ لماذا الغرفة مرتّبة؟ الخوف لا يُرتّب.

3. الحبل خلف السفينة: كانت هناك حبال ممتدة خلف السفينة في الماء انقطعت. يعتقد بعض المحللين أن قارب الإنقاذ كان مشدوداً بهذا الحبل أثناء الإبحار — ثم انقطع. لكن لماذا كانوا في القارب أصلاً والسفينة سليمة؟

4. البضاعة سليمة تماماً: 1,701 برميل في العنبر — مرتّبة. غير مكسورة. لا علامة على أي اضطراب. البضاعة لا تكذب: لم يحدث أي زلزال أو عاصفة شديدة داخل العنبر.

5. قرارات الربّان المحيّرة: الربّان بريغز بحّار خبير 17 عاماً لا يترك سفينته سليمة ليصعد قارباً في المحيط المفتوح. هذا ضد كل المنطق البحري. ما الذي أجبره على ذلك؟

النظريات الكبرى — وسقوطها الواحدة تلو الأخرى

محيط هائج بأمواج ضخمة وسماء عاصفة داكنة

نظرية 1 — المتمردون: أن الطاقم تمرّد وقتل الربّان وأسرته ثم فرّ. تسقطها: لم يُعثر على أي دليل عنف في أي مكان على السفينة. لا دماء. لا آثار تحطيم. لا سلاح مستخدم.

نظرية 2 — القرصنة: أن قراصنة هاجموا السفينة. تسقطها: البضاعة الثمينة سليمة. لو كان قراصنة لأخذوا الكحول الصناعي على الأقل. لا شيء نُهب.

نظرية 3 — العاصفة: أن عاصفة ضربت السفينة وأجبرتهم على الإخلاء. تسقطها: السفينة كانت سليمة تماماً حين اكتُشفت. لا ضرر في الهيكل. لو كانت العاصفة شديدة بما يكفي لإجباره على الإخلاء — لكانت أضرّت بالسفينة.

نظرية 4 — انفجار الكحول: الأكثر قبولاً علمياً اليوم. تقول إن بعض أبخرة الكحول الصناعية في العنبر تسرّبت وأدّت إلى انفجار صغير غير ناري — أي ضغط هواء مفاجئ يفتح بابَ العنبر بشدة. هذا قد يُفزع طاقماً خبيراً ويظنّون أن الانفجار الحقيقي قادم. فيهبطون إلى القارب مؤقتاً ويشدّونه بحبل للسفينة. لكن الحبل انقطع. والسفينة واصلت مسيرها بالشراع.

هذه النظرية تُفسّر الكثير — لكنها لا تُفسّر الطعام الدافئ، ولا الملابس المطوية، ولا لماذا أخذوا وثائق السفينة معهم (كانت وثائق السفينة مفقودة).

التفصيل الذي يزعج الجميع

في عام 2006، أجرى الباحث آني مريان ماكنزي تجربة علمية نُشرت في BBC لاختبار نظرية انفجار الكحول. أثبتت التجربة إمكانية وقوع الانفجار الهوائي دون أثر ناري. "هذا هو الجواب،" قالت وسائل الإعلام.

لكن مؤرّخ بحري متخصص ردّ في مقال علمي بعدها بأشهر: "التجربة أثبتت إمكانية الانفجار الهوائي. لكنها لم تُثبت أنه حدث في ماري سيليست. ولم تُثبت أن بريغز — بحار خبير 17 سنة — كان سيترك سفينته سليمة بسبب انفجار هوائي صغير لا يُخلّف أثراً."

الجواب الحقيقي: لا نعرف.

ماذا حدث بعدها؟

أُكمل ربّان الـ Dei Gratia نقل ماري سيليست إلى جبل طارق وطالب بحق الإنقاذ — وهو نظام قانوني بحري يعطي حق نسبة من قيمة السفينة والبضاعة لمن أنقذها. مُنح المبلغ — لكنه كان أقل بكثير مما طالب به. اشتبه المحقق في بداية الأمر بأن ربّان الـ Dei Gratia متورّط في الاختفاء — وانتهى التحقيق بلا نتيجة.

أسرة الربّان بريغز لم تتلقَّ أي خبر عن مصيره. ابنه الكبير الذي كان في المدرسة — أمضى حياته يسأل دون إجابة. توفّي عام 1905 دون أن يعرف ما الذي حدث لأبيه وأمه وأخته الصغيرة.

خاتمة — اللغز الذي يبلع الإجابات

أفق بحري في الفجر بألوان برتقالية وزرقاء وهادئ تماماً

مرّت 150 سنة. عشرات الكتب. عشرات التحقيقات. علماء وباحثون ومؤرّخون وغوّاصون.

ما الذي نعرفه بيقين؟ سفينة سليمة وطاقم مفقود وقارب إنقاذ غائب وبحر صامت.

ما لا نعرفه: أي شيء آخر.

إحدى النقاط التي تُزعج الباحثين أكثر من غيرها: حين تترك سفينة ما تحت أي ظرف كان — تترك فيها دائماً أثراً للخوف. لعلامة الكارثة. لعلامة الاندفاع. شيء ما يُبيّن أنهم رحلوا على عجل.

ماري سيليست تركت ملابس مطوية. طعاماً دافئاً. كتاباً مفتوحاً. وآلة موسيقية على نوتة.

كأنهم لم يغادروا. كأنهم تبخّروا.

البحر لا يُجيب. ويبدو أنه قرّر ألا يُجيب أبداً.


إذا كنت مكان المحقق في جبل طارق عام 1872 — ما النظرية التي كنت ستختارها؟ وما التفصيل الذي وجدته أكثر الأشياء إثارة للقلق في هذه القصة؟ رأيك يهمّنا.