الراقصة التي أرعبت الاستخبارات البريطانية في قلب القاهرة |
لم يعرف الضباط البريطانيون الذين يصفّقون لها كل ليلة أنهم يصفّقون لأخطر امرأة في القاهرة.
كانت حكمت فهمي تقف في دائرة الضوء، تتحرك بذلك الإتقان الذي يجعل الوقت يتوقف. الضباط في المقاعد الأمامية، الكؤوس في أيديهم، يضحكون ويتحدثون ويكشفون — دون أن يدركوا — أسراراً كان يمكن أن تُغيّر مسار الحرب كلها.
لم تكن حكمت تسمع الموسيقى تلك الليلة. كانت تسمع كل كلمة يقولونها.
القاهرة 1942 — مدينتان في مدينة واحدة
لفهم ما حدث، لا بد أن تفهم أولاً كيف كانت القاهرة في تلك الأيام.
كانت المدينة تعيش حياتين متوازيتين لا تلتقيان. في النهار، شوارع مكتظة بالجنود البريطانيين والجيبات العسكرية وأكياس الرمل أمام المباني الحكومية. مصر رسمياً ليست في الحرب — لكن الجيش البريطاني يعسكر فيها، ويستخدمها قاعدة لحربه ضد روميل في شمال أفريقيا.
في الليل، صورة مختلفة تماماً. الملاهي الراقية على ضفاف النيل تفتح أبوابها. الضباط يخلعون معاطفهم العسكرية ويلبسون ملابس مدنية — أو أحياناً لا يُكلّفون أنفسهم بذلك. يشربون، يضحكون، يتحدثون عن العمليات القادمة، عن أعداد القوات، عن نقاط الضعف في الجبهة.
وفي المنتصف، على المسرح، كانت حكمت فهمي.
كانت واحدة من أشهر راقصات مصر في الأربعينيات — اسمها يُعرف قبل أن يُرى وجهها. جمالها حادّ وذكاؤها أحدّ. وكانت تكره الاحتلال البريطاني بصمت عميق، بالطريقة التي يكره بها من يضطر كل يوم إلى الابتسام لمن يحتل أرضه.
حين جاءها العرض، لم تتردد طويلاً.
يوهانس إيبلر — الجاسوس الذي يتكلم العربية
في ربيع 1942، وصل إلى القاهرة رجل يحمل هوية مصرية باسم "حسين جعفر". كان في الأصل يوهانس إيبلر — ألماني وُلد في مصر، تشرّب اللهجة والتقاليد حتى أصبح لا يختلف عن أبنائها. أرسله الجيش الألماني بتكليف مباشر من الفيلد مارشال روميل: اجمع معلومات عن القوات البريطانية في مصر وأرسلها عبر جهاز لاسلكي سري.
المهمة تبدو جنونية — جاسوس وحيد في مدينة يعجّ بالمخابرات البريطانية. لكن إيبلر كان يملك ما لا يملكه أي ضابط بريطاني: وجهاً مألوفاً، ولساناً طليقاً، وعنواناً في القلب — حكمت فهمي.
الشبكة التي بُنيت خلف الستائر
الترتيب كان بسيطاً في شكله، خطيراً في جوهره.
حكمت تُقدّم عروضها كل ليلة. بعد العرض، تجلس مع الضباط، تضحك معهم، تستمع. ليست جاسوسة بالمعنى الدرامي الذي تصوّره الأفلام — لا تسرق وثائق ولا تخترق خزائن. تفعل شيئاً أبسط وأخطر: تجعل الرجال يتكلمون.
اسم قائد، موعد انتقال كتيبة، شكوى من نقص في الذخيرة، تلميح إلى عملية مقبلة في الصحراء. كل هذه الكلمات العابرة التي يقولها ضابط مسترخٍ لامرأة جميلة تبدو مهتمة — كانت تصل في اليوم التالي عبر جهاز لاسلكي مخبّأ في شقة قريبة إلى قيادة روميل في ليبيا.
لأسابيع، نجحت الشبكة. المعلومات تتدفق. روميل يحصل على صورة تفصيلية عن الوضع البريطاني في مصر. وحكمت فهمي تواصل عروضها كل ليلة كأن شيئاً لم يكن.
الخيط الذي نسيه إيبلر
الجاسوس المحترف يعرف أن أخطر لحظاته ليست حين يعمل — بل حين يسترخي.
وإيبلر استرخى.
في صيف 1942، بدأ يُنفق بسخاء يلفت الانتباه. مطاعم باهظة، هدايا، ملابس فاخرة — كل ذلك برجل لا مصدر دخل واضح له. ولفت نظر الاستخبارات البريطانية شيء آخر أيضاً: بنكنوت بريطانية مزيّفة بجودة عالية كانت تظهر في تداول القاهرة — جاء من معها؟
بدأ ضباط MI5 يضيّقون الدائرة. راقبوا. تتبّعوا. ووجدوا الخيط يقودهم إلى شقة هادئة في حي راقٍ، وإلى اسم يتكرر في تقاريرهم: حكمت فهمي.
في يوليو 1942، داهموا الشقة. وجدوا جهاز الإرسال اللاسلكي، والشيفرات السرية، والأموال المزيّفة، وما يكفي من الأدلة لإغلاق القضية بالكامل.
اللحظة التي لم تنكسر فيها
حين اعتُقلت حكمت فهمي، كانت هادئة بشكل أثار حيرة المحققين البريطانيين.
لم تبكِ. لم تُنكر. لم تتّهم أحداً آخر. جلست في مكتب الاستجواب كأنها جاءت لشرب الشاي. وحين سئلت لماذا فعلت ما فعلت، أجابت بما يشبه البساطة المحسوبة: "مصر لنا. وما يضر محتليها لا يضرها."
حوكمت. وعلى الرغم من خطورة ما فعلته، خرجت من السجن بعد سنوات قليلة — يقول بعض المؤرخين إن السلطات البريطانية فضّلت تجنّب فضيحة علنية كبيرة، ومحاكمة راقصة شهيرة كانت ستُحوّل قاعة المحكمة إلى مسرح آخر.
إيبلر من جهته قضى بقية الحرب معتقلاً، ثم أُفرج عنه بعد انتهائها وعاش حياة عادية في ألمانيا.
أما حكمت فهمي، فقد عادت إلى حياتها — أو ما تبقى منها. لكن قصتها لم تعد إليها وحدها.
الكتاب الذي أعاد تشكيل الذاكرة
عام 1980، نشر الروائي البريطاني كن فولت روايته الأشهر "مفتاح ربيكا" — قصة جاسوس ألماني في القاهرة أثناء الحرب يستخدم امرأة محلية للوصول إلى الأسرار البريطانية. الرواية بيعت بملايين النسخ وتُرجمت إلى عشرات اللغات.
فولت لم يدّعِ أبداً أنه اخترعها من الفراغ.
كانت حكمت فهمي هناك قبله بأربعين سنة — في القاهرة الحقيقية، في الليل الحقيقي، والضباط الحقيقيون يُصفّقون لها دون أن يعرفوا.
والضوء يسقط عليها وحدها.





تعليقات
إرسال تعليق