بسم الله الرحمن الرحيم

روى النبي ﷺ هذه القصة لأصحابه، وهي في صحيح البخاري ومسلم.

رواها ليس لأنها قصة بطولة. بل لأنها قصة رجل عاصٍ — مُذنب حتى النخاع — لم يملك شيئاً يتكئ عليه يوم موته غير شيء واحد.

وكان ذلك الشيء الواحد كافياً.

رجل أنفق عمره في الذنوب

لم يكن هذا الرجل قديساً. لم يكن من المتعبدين الذين يقضون ليلهم في الصلاة ونهارهم في الذكر. كان رجلاً عاش كما تشاء نفسه — يُسرف في المعاصي، ويتهاون في حدود الله، ويُؤجّل التوبة يوماً بعد يوم كما نفعل كثيراً نحن أيضاً.

الفارق الوحيد بينه وبين كثير من الناس أنه كان يعرف — في أعماقه — ثقل ما فعله.

لم يكن من الذين يُخدَعون بأنفسهم فيقنعونها بأن ما فعلوه هيّن. كانت ذاكرته تحتفظ بكل شيء. كل خطيئة. كل تجاوز. كل لحظة آثر فيها هواه على ربه.

وحين اقترب أجله وأحسّ بالموت يدنو، اجتمعت عليه كل هذه الذكريات دفعةً واحدة.

الوصية التي أدهشت الأبناء

جمع أبناءه حوله في ساعة الاحتضار. نظر إليهم بعين من يعرف أنه لن يرى وجوههم بعد الليلة.

ثم قال لهم ما لم يتوقعوه:

"يا بنيّ، إذا أنا متُّ فأحرقوني. ثم اسحقوا عظامي وما بقي مني حتى يصير رماداً. ثم اذهبوا إلى البحر في يوم ريح، وذرّوا نصف رمادي على الريح فوق البحر، والنصف الآخر على البرّ. افعلوا هذا."

نظر إليه الأبناء بذهول.

فقال لهم — وهذا هو قلب القصة وروحها:

"فوالله، لئن قدر الله عليّ ليُعذّبنّني عذاباً ما عذّبه أحداً من العالمين."

لم يكن يشك في وجود الله. لم يكن يكفر بقدرته. كان يعرف أن الله قادر على كل شيء — وكان يخافه خوفاً بلغ من قلبه أعمق الأعماق. خاف أن تلحقه يد العذاب إذا بقي له جسد يُعذَّب. ظنّ — بجهله — أنه إذا لم يوجد له جسد ربما يُخفَّف عنه.

هذا ليس عقلاً صحيحاً. لكنه قلب مكسور يرتجف خشيةً.

الأبناء ينفّذون الوصية

مات الرجل.

ونفّذ أبناؤه وصيته بحذافيرها — كما طلب منهم.

أحرقوه. وسحقوا ما بقي حتى صار رماداً ناعماً. ثم انتظروا يوماً تهبّ فيه الريح بشدة. ذهبوا إلى البحر — والبرّ — وذرّوا رماد أبيهم في الهواء.

تفرّق الرماد في الريح، وبدّده البحر والبرّ.

ولم يبقَ من الرجل شيء يُرى.

أو هكذا ظنّوا.

ما لا تعجز عنه قدرة الله

يقول النبي ﷺ في الحديث:

"فأمر الله البحر فجمع ما فيه، وأمر البرّ فجمع ما فيه. ثم قال له: كُن، فإذا هو قائم."

كلمة واحدة من الله — كُن — فإذا الرماد المتفرق في أعماق البحار وزوايا الأرض يعود كما كان. رجل كامل واقف.

جُمع بأمر من لا يعجزه شيء.

ثم جاء السؤال الذي كان الرجل يرتجف منه طوال حياته:

«ما حملك على ما فعلت؟»

وقف الرجل أمام ربه — لا يملك ذهباً ولا فضة، لا صلاة الليل ولا صيام التطوع، لا سجلاً من الخيرات يُخرجه ويقول: انظر ما فعلت.

لم يملك إلا جواباً واحداً قاله بصدق مطلق:

«خشيتك يا رب. خشيتك.»

الجواب الذي غيّر كل شيء

قال الله عز وجل:

«فغفرت لك.»

كلمتان.

لا شرط. لا استثناء. لا "لكن انظر ما فعلت". لا "أنت لا تستحق".

«فغفرت لك.»

هذا الحديث رواه أبو هريرة رضي الله عنه وأخرجه البخاري في صحيحه وكذلك مسلم — وهو من أصح الأحاديث وأثبتها.

ماذا تعلّمنا هذه القصة؟

تعلّمنا أن الله سبحانه وتعالى حين وعد بالمغفرة لمن خافه — لم يضع في ذلك الوعد شرطاً يقول: "بشرط ألا تكون قد أذنبت كثيراً."

هذا الرجل لم يكن يملك حسنةً واضحة يتكئ عليها. كان يملك شيئاً واحداً: قلباً يخشى الله.

وخشية الله — حتى لو جاءت في آخر لحظة، حتى لو صاحبها جهل وخطأ في التفكير، حتى لو لم يكن صاحبها يعرف كيف يعبّر عنها بالشكل الصحيح — تكفي.

لأن الله واسع المغفرة، ويعلم ما في الصدور، ويرى الخشية حتى حين تختبئ خلف السلوك الخاطئ.

هذا الرجل أخطأ في فهمه — لكنه لم يُخطئ في مشاعره. أخطأ في التصرف — لكنه لم يُخطئ في الاتجاه. كان يتجه نحو الله بكل ما في قلبه من رهبة ومخافة.

وكان ذلك كافياً.

رسالة لمن يظن أنه أذنب كثيراً

إن كنت ممن يقول لنفسه: "لقد أذنبت أكثر مما يُغفر" — فهذه القصة لك.

إن كنت ممن يُقدّر ذنوبه أكبر من رحمة الله — فهذه القصة لك.

الرجل في هذه القصة لم يُحسن الظن بربه. ظن أن العذاب لا محالة قادم. لم يفهم عمق قوله تعالى: ﴿قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ ۚ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا﴾

لكن الله — سبحانه وتعالى — رأى خلف خوفه الخاطئ قلباً حقيقياً.

ورحمه.

لأن رحمة الله أوسع من كل خطيئة، وأعمق من كل ذنب، وأكبر من كل يأس.

فلا تيأس من رحمة الله أبداً.

رضي الله عن أبي هريرة الذي حفظ لنا هذه القصة وبلّغها.