طلبتُ يدها بعد ثمانية أشهر — فقالتْ: أنت لا تعرف من أنا حقاً
هناك لحظة في حياة كل إنسان يعرف فيها — بيقين لا يشبه أي يقين آخر — أنه يريد أن يقضي بقية عمره بجانب شخص واحد بعينه.
كانت لحظتي في مساء تشرين الأول. ليان تجلس أمامي في المطعم الصغير الذي اعتدنا الذهاب إليه، تضحك على شيء قالته ثم تُغطّي فمها بطريقتها المعتادة كأنها تخجل من ضحكتها، وشعاع من الضوء الدافئ واقع على نصف وجهها.
وقلتُ في نفسي: هذه هي.
أخرجتُ الخاتم الذي أخفيتُه في جيبي منذ بداية السهرة. وضعتُه على الطاولة. ونظرتُ إليها.
ونظرتْ إليه.
ثم رفعتْ عيونها نحوي ببطء. وفي تلك العيون — حيث توقّعتُ أن أرى الدمع والفرحة والإجابة التي تعلّمتُها مسبقاً — رأيتُ شيئاً لم أتوقعه أبداً.
رأيتُ خوفاً.
قالتْ بصوت خافت كأنها تقوله لنفسها قبل أن تقوله لي: "كريم. أنت لا تعرف من أنا حقاً."
كيف بدأ كل شيء — الرجل الذي لم يكن يبحث
اسمي كريم. كريم ناصر الدوسري. أربعة وثلاثون عاماً، مهندس معماري في شركة تصميم متوسطة الحجم، أسكن وحدي في شقة في الطابق الخامس، وحياتي — قبل ليان — كانت مرتّبةً بالطريقة التي تجعل من يراها من الخارج يقول "حياة ناجحة" ومن يعيشها من الداخل يعرف أنها مجرد جدول زمني منظّم ومتوقّع.
لم أكن أبحث عن أحد حين قابلتُها.
هذا ما يجعل ما حدث أصعب في التفسير — لأن من يبحث يُعدّل توقعاته ويُقنع نفسه أحياناً. لكن حين لا تبحث ثم تجد — لا يكون أمامك خيار سوى أن تعترف بما تشعر به.
التقيتُ بها في حفل صغير أقامه صديق مشترك في شقته. كانت ليان تجلس في زاوية بعيدة عن مركز الغرفة — ليس خجلاً، بل باختيار. كانت تنظر حولها بطريقة تجعلك تشعر أنها تُراقب الناس بعقلها لا فقط بعيونها. حملتْ كوبها بيدٍ ثابتة، وحين ضحك الجميع على نكتة قالها أحدهم، ابتسمتْ هي بتأخير بسيط — كأنها أولاً فهمتْ النكتة، ثم قررتْ إن كانت تستحق الابتسامة.
أعجبتني هذه التأخيرة الصغيرة.
اقتربتُ. تكلّمنا. وبعد عشرين دقيقة كنتُ أعرف أنني سأطلب رقمها قبل أن ينتهي الحفل.
أعطتني الرقم بدون تردد. لكنها قالتْ شيئاً حين أعطتني إياه — قالتْه بابتسامة خفيفة كأنها تمزح، لكنني تذكّرتُه لاحقاً بطريقة مختلفة:
"أنا معقّدة بعض الشيء. حذارِ."
ضحكتُ وقلتُ: "كلنا كذلك."
لكنها لم تكن تمزح.
ثمانية أشهر من اليقين
قضيتُ ثمانية أشهر مع ليان قبل تلك الليلة في المطعم.
ثمانية أشهر يعرف الإنسان فيها بعض الأشياء عن الشخص الذي يُحبّه: كيف يشرب قهوته، وما الذي يُضحكه في الليل وما الذي يُكدّره في الصباح، والجُمل التي يكررها حين يكون قلقاً، والجُمل التي يُهمل قولها حين يكون سعيداً.
كنتُ أعرف أن ليان تشرب قهوتها بدون سكّر. وأنها حين تكون متوترة تُمسك قلماً وتُمرّر إبهامها على طرفه مراراً. وأنها لا تُحب أفلام الأكشن لأن "كل شيء يُحلّ بالضرب وهذا مُزعج." وأنها تُحبّ الموسيقى العربية القديمة — أم كلثوم وعبدالحليم — وتسمعها في السيارة بصوت منخفض جداً كأنها تريد أن تسمعها هي وحدها.
كنتُ أعرف أنها حين تكون خائفة — لا تبكي. تهدأ. هذا ما لاحظتُه في مرة واحدة مررنا فيها بموقف مفاجئ في الشارع وكنتُ أنا من تذعّر وهي من بقيت هادئة. قالت لي بعدها: "أنا حين أخاف أكثر من اللازم — أهدأ. لا أعرف لماذا."
وكنتُ أعرف — وهذا الذي أهمّني أكثر من أي شيء — أنها تُحبّني. ليس بالطريقة الصاخبة المُعلنة. بالطريقة الهادئة الثابتة التي تشعر بها في تفاصيل صغيرة: في أنها تتذكر أنني لا أُحبّ البصل في طعامي وتطلب للطاهي أن يُخرجه حين نطلب الطلبات. في أنها حين تُرسل لي رسالة وتعرف أنني في اجتماع — تكتب "متى تنتهي؟" لا "ردّ عليّ". في أنها حين تضحك معي تنسى تغطية فمها.
ثمانية أشهر وكنتُ أعرف أنني أُريدها.
ما لم أكن أعرفه — هو أنها كانت تعرف شيئاً لم أعرفه. وكانت تُؤجّل اللحظة التي ستقوله لي. وتلك الليلة في المطعم — حين وضعتُ الخاتم على الطاولة — كانت اللحظة التي لم تستطع تأجيلها أكثر.
الاسم الذي لا أعرفه
بعد أن قالتْ تلك الجملة، لم تُضف شيئاً لدقيقة كاملة.
أخذتُ الخاتم بهدوء ووضعتُه في جيبي. ونظرتُ إليها وانتظرتُ.
قالتْ أخيراً: "اسمي ليس ليان."
توقّفتُ.
"اسمي الحقيقي رنا. رنا سعيد المطيري."
ليان — الاسم الذي ناديتُه ثمانية أشهر. الاسم الذي كتبتُه على ورقة حين أخذتُ رقمها. الاسم الذي قالتْه أمي حين أخبرتُها عنها وابتسمتْ أمي وقالتْ "اسم حلو." ذلك الاسم لم يكن اسمها.
قلتُ بصوت أهدأ مما كنتُ أتوقعه من نفسي: "لماذا؟"
نظرتْ إلى الطاولة: "لأنني أختفي."
"من ماذا؟"
رفعتْ عيونها. وفي تلك العيون — للمرة الأولى في ثمانية أشهر — رأيتُ الشيء الذي كانت تُخبّئه. ليس الخوف العادي. خوف إنسان يعيش سنوات وهو يلتفت خلف ظهره.
"من أبي."
الليلة التي رأتْ فيها ما لا تُنسى
حكتْ. وأنا أنصت بطريقة لم أُنصت بها لأحد في حياتي — بكل جزء من جسدي، لا بالأذنين فقط.
قالتْ إنها كانت في الثالثة والعشرين حين حدث ما حدث. كانت تعيش في بيت أهلها — هي وأبوها سعيد وأمها التي كانت تعاني من مرض مزمن وطريحة الفراش معظم الوقت.
أبوها — سعيد المطيري — كان رجلاً بارزاً في بلدتهم الصغيرة. يملك أرضاً وسيارات، وله كلمة في المجلس، ويعرفه الناس بالوجه الطيب والكلام المعقول.
لكنها كانت تعرفه بوجه آخر.
في الليلة التي تغيّر فيها كل شيء، كانت رنا قد عادتْ من عمل متأخراً. دخلتْ البيت من الباب الخلفي بهدوء حتى لا تُزعج أمها النائمة. مرّتْ بالمطبخ وشربتْ ماءً. ثم سمعتْ أصواتاً من غرفة الديوانية.
لم تكن أصواتاً عالية — بالعكس، كانت خافتةً بشكل غير طبيعي. وشيء في طبيعة الصمت المصاحب لها جعلها تتوقف.
اقتربتْ. والباب كان موارَباً.
ورأتْ.
توقّفتْ عن الكلام لحظة.
ثم قالتْ بصوت يكاد يكون همساً: "كان هناك رجل آخر في الغرفة. لم أكن أعرفه. وأبي... أبي كان يضربه. ليس شجاراً. كان يضربه بطريقة من يريد أن ينهي شيئاً. وبجانبه على الأرض — كيس."
ابتلعتُ.
"الرجل لم يكن يتحرك حين مشيتُ بعيداً."
صمتتْ. ثم: "في اليوم التالي سمعتُ في البلدة أن رجلاً اختفى. اختفى — ولم يُعثر عليه. ولم يُحقّق أحد. لأن الرجل كان غريباً عن البلدة وليس له عائلة فيها."
نظرتْ إليّ: "وأنا كنتُ الشاهد الوحيد. وكان الشاهد الوحيد ابنته."
لماذا لم تتكلم
أول سؤال يخطر على بال أي إنسان — ولم أستطع إخفاءه عن وجهي رغم أنني حاولتُ — هو: لماذا لم تذهب للشرطة؟
رأتْ السؤال في عيوني قبل أن أنطق به.
قالتْ: "فكّرتُ في ذلك. كثيراً. في الأيام الأولى كنتُ أستيقظ كل ليلة وأُفكّر. لكن—" توقّفتْ. "أمي كانت مريضة. وكانت تعتمد على أبي في كل شيء — دواؤها، علاجها، تنقّلها. لو ذهبتُ للشرطة وصدّقوني — ماذا سيحدث لأمي؟ ولو لم يصدّقوني — ماذا سيحدث لي؟"
أطبقتْ يديها على بعضهما فوق الطاولة: "وكان هناك شيء آخر. أبي — رغم كل شيء رأيتُه — كان الشخص الوحيد الذي ربّاني. أمي كانت مريضة دائماً وأبي كان من يأخذني للمدرسة ويُعلّمني الدراجة ويقف أمام باب المستشفى حين كسرتُ يدي في الصف الثالث. هذا الشخص ونفس الشخص." نظرتْ إلى الطاولة. "قرارات بعضها لا يوجد فيها خيار صحيح."
صمتتُ.
"بعد شهرين من تلك الليلة ماتتْ أمي. وبعد أسبوع من دفنها — جمعتُ حقيبة صغيرة وتركتُ البيت. بدون كلمة. بدون وداع."
"وغيّرتِ اسمك."
"وغيّرتُ اسمي. وجئتُ إلى هنا. وبدأتُ من الصفر." رفعتْ عيونها. "وكنتُ أعتقد أنني استطعتُ أن أُبني حياةً جديدة لا يعرفها أحد. حتى قابلتُك."
لم أقل شيئاً.
قالتْ بنبرة أهدأ: "حين بدأتُ أُحبّك — خفتُ. لأنني عرفتُ أن هذا لن يمكن أن يكتمل بدون أن أقول لك الحقيقة. ولم أستطع قول الحقيقة. فكنتُ أُؤجّل وأُؤجّل." نظرتْ إلى المكان الذي كان فيه الخاتم على الطاولة. "ثم وضعتَ الخاتم. ولم يعد في الأجل متّسع."
الليل الطويل والسؤال الذي لا إجابة له
لم ننتهِ في ذلك المطعم. طلبتُ منها أن تعطيني ليلةً واحدة.
مشيتُ إلى سيارتي. جلستُ فيها دون أن أُشغّلها. ونظرتُ إلى الشارع أمامي.
كانت المعلومات تتراكم في ذهني بطريقة يحتاج العقل معها وقتاً لإعادة ترتيب كل شيء. المرأة التي أعرفها منذ ثمانية أشهر — اسمها ليس ما أعرفه. ماضيها ليس الذي تخيّلتُه. وهي تحمل منذ سنوات شيئاً أثقل مما يستطيع الكثيرون حمله.
وكان في ذهني سؤال واحد لا أستطيع الهروب منه: ماذا تفعل حين تكتشف أن الشخص الذي أحببتَه ليس تماماً من ظننتَه — لكن كل ما أحببتَه فيه لا يزال حقيقياً؟
الضحكة كانت حقيقية. والطريقة التي تسمع بها الموسيقى كانت حقيقية. والتأخيرة الصغيرة قبل أن تبتسم كانت حقيقية. كل ما عرفتُه عنها — في جوهره — كان حقيقياً.
ما تغيّر كان السياق.
وهل يتغيّر الشخص إذا تغيّر سياقه؟
ما قالتْه أمي حين سألتُها
في الصباح الباكر اتصلتُ بأمي. ليس لأروي لها كل شيء — لكن لأسمع صوتها وأسألها سؤالاً واحداً.
قلتُ لها: "أمّا. لو اكتشفتِ أن أبي قبل أن تتزوجيه كان عنده سر — سر كبير — لكنه أخبرك به بنفسه قبل الزواج. هل كنتِ ستتزوجيه؟"
صمتتْ لحظة. ثم قالتْ بهدوء: "يعتمد على السر."
"افترضي."
صمت آخر. ثم: "لو أخبرني هو — قبل الزواج — معناه أنه يثق بي. ومعناه أنه لا يريد أن يبدأ معي بكذبة. والرجل الذي يثق ولا يُريد أن يُكذب — هذا رجل يستحق أن يُسمع." ثم أضافتْ: "السر هو السر يا كريم. الإنسان هو الإنسان. ما تعرف أحداً بدون أن يُريك أعماقه."
وقفتُ مع هذه الجملة طويلاً بعد أن أنهيتُ المكالمة.
"ما تعرف أحداً بدون أن يُريك أعماقه."
وليان — رنا — أرتْني أعماقها. بالطريقة الأصعب والأكثر إيلاماً وتكلفةً على نفسها. لم تخترْ أن تُريني نسخةً مُجمَّلة أو نصف الحقيقة. قالتْ كل شيء. وكانت تعرف أن ذلك قد يكون آخر ما تقوله لي.
أشعلتُ السيارة. وعرفتُ أين أنا ذاهب.
ما قلتُه لها
طرقتُ بابها في صباح ذلك اليوم. فتحتْ وفي وجهها أثر ليلة لم تنمْ فيها. نظرتْ إليّ بعيون تسأل بدون كلام.
قلتُ: "اسمك رنا."
أومأتْ.
"حسناً. أنا أُحبّ رنا. لستُ أعرف ليان — لكنني أعرف رنا منذ ثمانية أشهر وإن لم أعرف اسمها."
ارتجفتْ شفتاها.
"لكن—" أضفتُ ببطء — "لا أستطيع أن أبني حياةً بجانبك وهذا السر حي خارج هذا الباب. ما حدث في تلك الليلة — يجب أن يُقال. ليس الآن، وليس بطريقة غير محسوبة. لكن يجب أن يُقال."
نظرتْ إلى الأرض.
"أنا لستُ أطلب منك أن تُدمّري حياتك. أطلب منك أن نُفكّر معاً. أن تكوني لوحدك في هذا أقل من قبل."
صمتتْ طويلاً. ثم نظرتْ إليّ: "وإذا كان ما سيحدث صعباً؟"
قلتُ: "الصعب مع إنسان أحسن من السهل وحيداً."
وللمرة الأولى منذ الليلة الماضية — ابتسمتْ. ابتسامة صغيرة فيها دمع وفيها شيء آخر. شيء يشبه الارتياح الذي يأتي حين تُلقي حملاً كنتَ تعرف أنه ثقيل لكنك نسيتَ كيف يكون الوزن بدونه.
الخطر الذي لم يكن قد انتهى
بعد أسبوع من تلك المحادثة، اتصلتْ رنا بوجه أبيض كالورقة وقالتْ بصوت لا تكاد تسمعه: "أبي يعرف أنني هنا."
توقّف قلبي لثانية.
"كيف؟"
"أرسل لي رسالة. من رقم لا أعرفه. قال فيها اسمي الحقيقي."
أخذتُ الهاتف ورأيتُ الرسالة. كانت قصيرة:
"رنا. البنت التي تهرب — أبوها يعرف طريق الرياح."
جملة واحدة. لكنها كافية.
اتصلتُ بصديقي حمد — المحامي الذي أعرفه منذ الجامعة وكنتُ أعرف أنه يتعامل مع قضايا معقدة. رويتُ له كل شيء. أنصتَ بدون أن يُقاطع. وحين انتهيتُ، قال شيئاً كنتُ أحتاج سماعه:
"الصمت يا كريم لم يحمِها. الصمت أعطى أباها سنوات يعيش فيها بأمان وهي تعيش بخوف. الوقت لم يُنهِ القضية — الوقت فقط حرس قاتلاً بدون أن يدري."
القرار الذي اتخذناه معاً
جلسنا ثلاثتنا — أنا، رنا، وحمد — في مكتبه لثلاث ساعات.
كانت رنا تُمسك كوب الشاي بيدين لا تثبتان وتتكلم بصوت ثابت بما يكفي لتقول ما تحتاج قوله. وفي كل جملة تقولها كنتُ أرى شيئاً يتغيّر تدريجياً في ملامحها — كأن كل كلمة تقولها تُخفّف جزءاً صغيراً من الحمل الذي حملتْه سنوات.
قال حمد في النهاية: "الشهادة ستُقدَّم. وسنجعل منها توثيقاً كاملاً قبل أن نُقدّمها لأي جهة — لأن القضية قديمة والدليل المادي صعب، لذلك شهادتها هي الأساس. وأحتاج منها أن تتذكر كل تفصيلة."
نظرتُ إلى رنا. كانت تنظر إلى الطاولة.
قلتُ لها بهدوء: "لستِ مضطرة الآن."
قالتْ دون أن ترفع رأسها: "لو لم أتكلم أنا — من سيتكلم عن الرجل الذي اختفى ولم يبحث عنه أحد؟"
رفعتْ عيونها لحمد: "متى نبدأ؟"
الطريق الطويل الذي مشيناه
لن أقول إن ما تلا كان سهلاً. لم يكن.
كانت هناك إجراءات معقّدة. وجهات تشكّك وجهات تسأل. وأيام تعود فيها رنا إلى البيت مُنهكةً كأن العالم أثقل من طاقتها. وليالٍ كانت تصمت فيها بجانبي وتنظر إلى مكان لا أراه — ذلك المكان الذي يذهب إليه الناس حين يحاولون استيعاب ما لا يُستوعب.
وكانت هناك لحظة واحدة — في منتصف كل هذا — سألتْني فيها:
"هل تندم؟"
قلتُ: "على ماذا؟"
"على أنك بقيتَ."
نظرتُ إليها: "رنا. الندم يكون على اختيار كان عنده بديل أفضل. ما كان عندي بديل أفضل من البقاء."
وكان هذا الحقيقة بكل بساطتها.
سعيد المطيري استُدعي للتحقيق بعد ثمانية أشهر من تقديم شهادة رنا. القضية لا تزال مفتوحة حين أكتب هذه الكلمات — القانون بطيء وطرق الإثبات في قضايا قديمة صعبة. لكن ما حدث — وهذا الأهم — هو أن الصمت انكسر.
والصمت حين ينكسر — لا يعود كما كان.
الخاتم — في اللحظة الصحيحة
بعد عام من تلك الليلة في المطعم، كنّا نجلس في نفس المكان.
طلبتُ نفس الطاولة. وحين جلسنا وجاء النادل، ابتسم وقال: "أهلاً بكم — كالعادة؟"
ضحكنا. لأن "كالعادة" كان يعني شيئاً الآن — يعني أننا أصبحنا مألوفَين هنا. أصبحنا "الزوجان اللذان يأتيان دائماً." رغم أننا لم نكن زوجين رسمياً بعد.
أخرجتُ الخاتم مرةً أخرى.
وضعتُه على الطاولة في نفس المكان بالضبط.
نظرتْ إليه. ثم إليّ. ثم ابتسمتْ — الابتسامة التي تنسى فيها أن تُغطّي فمها.
قلتُ: "هذه المرة أسألك وأنا أعرف من أنتِ."
قالتْ بصوت فيه كل ما مررنا به في السنة الماضية: "وأنا أعرف من أنتَ."
ومدّتْ يدها.
ما تعلّمتُه من كل هذا
أعرف الآن ما لم أكن أعرفه قبل رنا: أن معرفة شخص ليست في أن تعرف اسمه وعمله ومدينته التي وُلد فيها. معرفة شخص هي أن ترى ما اضطرّ إلى حمله. أن ترى ما اختار أن يصمت عنه حمايةً لنفسه أو لغيره. أن ترى الكسور التي التأمتْ وتركتْ ندوباً. وأن تقرّر — حين ترى كل هذا — أين تقف.
الحب الحقيقي ليس الذي يأتي حين يكون كل شيء واضحاً ومُرتّباً. الحب الحقيقي هو الذي يبقى حين تكتشف أن الصورة أعقد مما ظننتَ — ويختار أن يُكمل بدلاً من أن يهرب.
وما تعلّمتُه أيضاً — من رنا تحديداً — أن الشجاعة ليست غياب الخوف. الشجاعة هي أن تكون خائفاً وتتكلم على أي حال. أن تضع الأثقل على الطاولة أمام من تُحب وتنتظر — بقلب مفتوح — ماذا سيختار.
رنا خافتْ وتكلّمتْ.
وأنا اخترتُ.
وهذا — في النهاية — هو كل ما يصنع قصة حب حقيقية.
لكل من يحمل سراً يظن أنه يجعله أقل قيمةً في عيون من يُحبه — السر لا يُصغّرك. الطريقة التي حملتَه بها كل هذا الوقت تُعرّفك.





تعليقات
إرسال تعليق