هناك أشياء تتمنّى بعد أن تعرفها — ألّا تكون قد عرفتَها أبداً.

ليس لأن المعرفة ثقيلة. بل لأن المعرفة تغيّر كل ما قبلها. تعود بها إلى كل ذكرى وكل موقف وكل لحظة بدتْ عادية — وتُعيد رسمها من جديد بلون مختلف. وحين تنتهي من إعادة الرسم، تنظر إلى الصورة الجديدة وتسأل نفسك: كيف لم أرَها من البداية؟

نادر الشمري جلس أمامي كل يوم لمدة سنة وسبعة أشهر.

ضحكنا معاً. تشاركنا القهوة في استراحة الضحى. شكوتُ له من ضغط العمل وشكا هو لي من ضغط العمل. ذات مرة ساعدني في إعداد تقرير كنتُ متأخرةً فيه وبقي معي حتى السابعة مساءً. ذات مرة أخرى جلبَ لنا كعكاً احتفالاً بعيد ميلاده.

كعكٌ أحضره القاتل.

وأكلنا منه جميعاً وصفّقنا له وغنّينا "عيد ميلاد سعيد."

المكتب — المكان الذي نقضي فيه نصف حياتنا مع غرباء

اسمي سارة. سارة محمد العتيبي. إحدى وثلاثون عاماً، محاسبة في شركة استثمارية متوسطة الحجم. أعمل فيها منذ أربع سنوات، أجلس في قسم المحاسبة في الطابق الثالث، وأمامي مباشرة — يفصلنا طاولة زجاجية عريضة — كان يجلس نادر.

نادر الشمري. سبعة وثلاثون عاماً. مدير الموارد البشرية. الشخص الذي إذا سألتَ أي موظف في الشركة: "من أكثر شخص تُريح التعامل معه هنا؟" — يأتي اسم نادر في القائمة الأولى دائماً.

وهذا ليس مصادفة. نادر كان يعرف بالضبط كيف يجعلك تشعر هكذا.

كان يتذكر اسم زوجة كل موظف وعدد أطفاله. يتذكر أن فلاناً يُعاني من ألم في ظهره ويسأله عنه بعد أسبوع. يتذكر أن فلانة تحب القهوة بدون حليب ويحضر لها كوبها هكذا دون أن تطلب. كان له ذاكرة اجتماعية نادرة — الذاكرة التي تجعل الناس يشعرون بأنهم مرئيون، مُهتَمٌّ بهم، موجودون.

وحين تجلس أمام شخص هكذا كل يوم، يُصبح جزءاً من نسيج يومك بطريقة لا تنتبه إليها. يُصبح بديهياً كالكرسي والشاشة والكوب. موجود — وبوجوده شيء يطمئن.

لم أكن أعرف — وأنا أشرب قهوتي كل صباح وأنظر إليه وهو يُرتّب ملفاته — أن ذلك الطمأنان الصغير كان الشيء الأكثر خطورةً في حياتي.

المرأة التي اختفتْ أولاً

بدأ كل شيء في فبراير.

رأيتُ خبراً في هاتفي أثناء استراحة الغداء. امرأة في الثامنة والعشرين تُدعى هنادي اختفتْ قبل ثلاثة أيام. آخر من رآها كان صاحب البقالة القريب من بيتها الذي قال إنها كانت تبدو عادية تماماً. سيارتها كانت أمام البيت. هاتفها في الشقة. حقيبتها كاملة.

قرأتُ الخبر وشعرتُ بذلك الثقل المعتاد الذي يُصيبك حين تسمع أخباراً من هذا النوع — ثقل يدوم دقيقتين ثم يذهب لأنك تُخبر نفسك أن العالم واسع والأخبار كثيرة وحياتك مستمرة.

لكن شيئاً صغيراً توقّف في ذهني.

هنادي. هذا الاسم.

كنتُ قد سمعتُه من قبل. بحثتُ في ذاكرتي وتذكّرتُ — هنادي كانت تحضر نفس صالة الرياضة التي أحضرها أنا يوم الثلاثاء والخميس. لم نكن صديقتين، مجرد وجه مألوف وابتسامة عابرة أحياناً في غرفة تغيير الملابس.

وضعتُ الهاتف وعدتُ للعمل.

ولو بقيتُ عند هذا الحد — لكانت هنادي مجرد خبر ثم نسيان. لكن شيئاً حدث في اليوم التالي.

في صباح اليوم التالي، كنتُ أُدخّن رسائل البريد الإلكتروني حين سمعتُ مديرتنا تذكر اسم هنادي في حديث بالهاتف. وسمعتُها تقول: "نعم، كانت تعمل عندنا. سنتعاون مع التحقيق بالكامل."

هنادي كانت تعمل في شركتنا.

في قسم آخر. في طابق مختلف. لكنها كانت زميلة.

رفعتُ رأسي ببطء ونظرتُ إلى نادر. كان يقرأ في شاشته بتركيز. وجهه هادئ تماماً.

وشيء ما — لا أستطيع تسميته حتى الآن — جعلني لا أعيد بصري إلى شاشتي فوراً.

التفصيلة الصغيرة التي لا ينتبه إليها أحد

بعد أسبوعين، اختفتْ امرأة ثانية.

خبر آخر. حالة أخرى. ملامح مختلفة. لكن نفس التفاصيل الغريبة المتشابهة: سيارة في مكانها، هاتف في البيت، لا أثر.

وفي ذلك اليوم — يوم نشر خبر الاختفاء الثاني — لاحظتُ شيئاً.

نادر كان غائباً.

لم أُفكّر فيه يومها. الناس تغيب. لديه إجازة. لديه موعد. لديه ألف سبب.

لكن حين جاء في اليوم التالي وسألتُه بشكل عابر: "أين كنتَ أمس؟" قال: "كان عندي أمر عائلي." وابتسم. ابتسامته المعتادة الدافئة.

ولم أُفكّر فيه أكثر.

إلى أن اختفتْ المرأة الثالثة في أبريل.

وفي ذلك اليوم أيضاً — نادر كان غائباً.

وهنا توقّف شيء في ذهني لم يعد يتحرك.

جلستُ في مكاني وأصابعي فوق لوحة المفاتيح لكنني لا أكتب. وسألتُ نفسي: هل هذه مصادفة؟ ثلاث حالات اختفاء. وفي يوم كل واحدة منها — أو اليوم الذي يُعلَن فيه عن الاختفاء — نادر غائب.

قلتُ لنفسي: أنتِ تُفكّرين بطريقة مجنونة. هذا زميل تعرفينه سنة وسبعة أشهر. إنسان طيب يُحضر الكعك ويسأل عن ظهر الموظف المريض.

ثم قلتُ لنفسي: هذا بالضبط ما يقوله الناس دائماً عن هؤلاء الناس. "كان طيباً. لم نتوقع أبداً."

وبدأتُ أُفكّر بطريقة مختلفة.

المرأة التي تبحث في الظلام

ما الذي تفعله حين يُسكنك شك لا تستطيع إثباته ولا تستطيع تجاهله؟

خياراتي كانت ثلاثة:

الأول: أذهب للشرطة وأقول لهم "زميلي في العمل أعتقد أنه قاتل" بناءً على أنه كان غائباً في أيام معينة. النتيجة المتوقعة: يُنظر إليّ كمن تهذي وأُرسل إلى بيتي.

الثاني: أتجاهل كل شيء وأُكمل حياتي. وإن كنتُ مخطئةً فلا شيء حدث. وإن كنتُ مُحقّة — فهناك نساء ستختفي بعدهن.

الثالث: أتحقق بنفسي. بهدوء. بتأنٍّ. بدون أن يعلم أحد.

اخترتُ الثالث.

وهذا الاختيار — كما سأعرف لاحقاً — كاد يكلّفني ما لا يُعوَّض.

بدأتُ من المعلومات المتاحة أمامي. سجلات الحضور والغياب في الشركة — وصولي إليها كان سهلاً بحكم عملي في المحاسبة التي تتقاطع أحياناً مع ملفات الموارد البشرية. طلبتُ ملف الإجازات والغيابات بحجة مطابقة الرواتب — وهو أمر اعتيادي لا يُثير شكاً.

وحين فتحتُ الملف وقارنتُ التواريخ مع تواريخ الاختفاءات الثلاث التي حفظتُها من الأخبار — وجدتُ أن نادر كان غائباً في يوم كل اختفاء. ليس في اليوم التالي. في نفس اليوم.

ثلاث مرات. تطابق تام.

يداي ارتجفتا فوق لوحة المفاتيح.

أغلقتُ الملف بسرعة. ورفعتُ عيني.

كان نادر ينظر إليّ.

وحين التقتْ عيوننا — ابتسم بابتسامته المعتادة وقال: "قهوة؟"

قلتُ بصوت لم أعرف كيف بدا عادياً: "لا شكراً. أنا تمام."

ليلة في مكتب فارغ

في الأسبوع التالي، بقيتُ في المكتب بعد انتهاء الدوام بحجة إنهاء تقرير. انتظرتُ حتى خرج آخر موظف. وحتى سمعتُ صوت نادر يُودّع حارس الأمن في المدخل.

ثم قمتُ.

ذهبتُ إلى طاولته. قلبي يضرب بسرعة تجعل سمعي مشوّشاً قليلاً.

لم أكن أعرف ماذا أبحث عنه. كنتُ أبحث عن أي شيء لا يُفسَّر بالبساطة. أي شيء خارج عن المألوف.

الدرج الأول: ملفات عمل، أقلام، دباسة، علكة. عادي.

الدرج الثاني: ملفات موارد بشرية، مغلفة ومُرتّبة. عادي.

الدرج الثالث — كان مُغلقاً بمفتاح.

درج مُغلق في مكتب عمل. ليس مستحيلاً — كثير من الناس يُغلقون الأدراج. لكن في السياق الذي كنتُ فيه، كل شيء صغير كان يبدو كبيراً.

جلستُ في كرسيه. ونظرتُ إلى طاولته من منظوره. وشيء لفتَ انتباهي — على يمين الشاشة، وسط المكتبيات الصغيرة، كان هناك كوب أقلام. ومنغمس بين الأقلام — قضيب صغير يشبه القلم لكنه أقصر وأسمك قليلاً.

مددتُ يدي وأمسكتُه.

كان USB صغيراً. لا اسم عليه. لا علامة.

نظرتُ إليه في يدي لثانية كاملة. ثم نظرتُ لشاشتي في الخلفية. ثم للباب.

وأخذتُه.

ما وجدتُه على الـ USB

جلستُ في سيارتي في موقف المبنى الفارغ. أدخلتُ الـ USB في لابتوبي الصغير.

فتح بدون كلمة مرور.

كان فيه مجلد واحد. اسمه فقط: نقطة.

فتحتُه.

صور. أكثر من مئة صورة. صور لنساء. بعضها مُلتقَط من بعيد — في الشارع، في مواقف السيارات، أمام محلات. وبعضها من قريب جداً — داخل مبانٍ، في ممرات. ووجوه بعضهن — حين بحثتُ — عرفتُ اثنتين منهن.

هنادي. المرأة الأولى التي اختفتْ.

والثالثة. المرأة الثالثة التي اختفتْ.

غلقتُ اللابتوب.

ويداي ترتجفان إلى حد أنني لم أستطع إبقاءهما ثابتتين على المقود.

وهاتفي رنّ.

نظرتُ إلى الشاشة.

كان نادر.

المكالمة التي لا تنساها

رددتُ.

لم أكن أعرف لماذا رددتُ. ربما لأن عدم الرد أخطر. ربما لأن صوتي الداخلي قال: لو لم تُردّي سيعرف أنك تعرفين.

"آلو سارة؟"

"آلو."

"أنا لاحظ إنك مازلتِ في الموقف. كل شيء تمام؟"

توقّفتُ. ثم: "آه. اتصال طال. الحين أمشي."

"تمام. خذي بالك."

وأنهى المكالمة.

لاحظ إنك مازلتِ في الموقف.

كيف يعرف أنني ما زلتُ في الموقف؟

أجبتُ على سؤالي بنفسي في ثانية: كاميرات المبنى. هو مدير الموارد البشرية. له صلاحية الوصول لكثير من الأنظمة الإدارية — بما فيها ربما كاميرات الأمن.

أشعلتُ السيارة ومشيتُ فوراً. والـ USB في جيب معطفي.

وهاتفي مرةً أخرى — هذه المرة رسالة:

"قلم USB صغير تركتُه على المكتب. لو صادفتِه أخبريني."

حين لا يُصدّقك أحد

في اليوم التالي ذهبتُ مباشرةً لأقرب مركز شرطة وطلبتُ مقابلة ضابط يتعامل مع قضايا الاختفاء.

جلستُ أمام ضابط في منتصف الأربعينيات. اسمه مكتوب على مكتبه لكنني لم أكن أستطيع التركيز على قراءته. رويتُ له كل شيء — الغيابات المتطابقة، الـ USB، الصور.

أخرجتُ الـ USB ووضعتُه على مكتبه.

نظر إليه. ثم إليّ.

"من أين لكِ هذا؟"

قلتُ: "من مكتبه."

"أخذتِه بدون إذنه."

"نعم."

دفع الـ USB ببطء نحوي: "أي دليل مأخوذ بغير قانوني لا يمكن استخدامه. وأنتِ تعلمين أن ما تقولينه — غياب في أيام معينة — ليس جريمة."

"لكن الصور—"

"التقاط صور للناس في الأماكن العامة ليس جريمة هو الآخر." نظر إليّ بنظرة رأيتُ فيها أنه لم يُكذّبني لكنه أيضاً لا يملك ما يعمل به. "هل عندكِ شيء آخر؟ تهديد مباشر؟ دليل مادي مرتبط بالضحايا؟ شاهد؟"

لم يكن عندي شيء من هذا.

قال بنبرة أهدأ: "أنا لا أقول إنك مخطئة. أقول إنه ليس بيدي ما أفعله بهذا الآن. لكن لو حدث أي شيء — اتصلي فوراً."

خرجتُ من المركز والـ USB في يدي ولا شيء تغيّر.

وفي تلك اللحظة أدركتُ أنني وحيدة في هذا.

أسبوع من التمثيل

عدتُ للعمل في اليوم التالي كأن شيئاً لم يحدث.

كان هذا الأصعب في حياتي — أن تجلس أمام شخص تعتقدين أنه قاتل وتبتسمين حين يُحيّيك وتُجيبين حين يسألك وتشربين قهوتك حين يُحضرها.

ابتعدتُ أمام شاشتي بكل ما أملك من تمثيل. لكن جزءاً من ذهني كان يعمل باستمرار — يُراقب، يُدوّن، يُحاول أن يجد الشيء الذي سيُحوّل الشك إلى دليل.

وكان نادر — في تلك الأيام — مختلفاً.

ليس بشكل واضح. ليس بشكل يلاحظه أحد غيري. لكنه كان يُديم النظر إليّ أطول من المعتاد. وحين أرفع رأسي فجأة أجده ينظر ثم يُحوّل بصره. وأسئلته العابرة في السابق صارتْ أكثر تحديداً: "كيف وجدتِ العمل أمس؟ هل رجعتِ مبكراً؟ هل كنتِ في قسمنا مساءً؟"

كان يسأل بطريقة تبدو عادية لكن كانت تتحرى.

وكنتُ أُجيب بطريقة تبدو طبيعية وكانت تُخفي.

وكنّا نجلس أمام بعضنا — كلانا يعلم شيئاً الآخر لا يعلمه — ونتظاهر بأن كل شيء عادي.

الليلة التي خرجتُ فيها عن السيطرة

بعد عشرة أيام من ذلك، بقيتُ في المكتب مرةً أخرى متأخرةً. هذه المرة لم يكن هناك تقرير. كنتُ أُحاول الوصول إلى سجلات كاميرات الأمن عبر النظام الداخلي — كانت هناك طريقة قانونية للوصول إليها بحكم صلاحياتي المحاسبية المُرتبطة بالتقارير الأمنية المالية.

وجدتُ ما كنتُ أبحث عنه.

تسجيل لنادر يدخل الطابق الأرضي في ليلة اختفاء هنادي — بعد منتصف الليل. هنادي التي كانت تعمل في نفس المبنى. هنادي التي قال أهلها إنها أخبرتْهم أنها ستعود من العمل متأخرةً تلك الليلة بسبب "اجتماع طارئ."

لم يكن هناك اجتماع في سجلات الشركة.

لكن كان هناك بريد إلكتروني أرسله نادر إلى هنادي في الساعة السابعة من تلك الليلة — من عنوانه الرسمي في الشركة — يقول: "أحتاج توقيعك على وثيقة الموارد البشرية قبل نهاية اليوم. هل تستطيعين المجيء للمبنى؟"

أغلقتُ الشاشة. وأخذتُ صوراً بهاتفي لكل ما رأيتُه.

وحين استدرتُ لأُغادر — كان نادر واقفاً في مدخل القسم.

ثماني دقائق

لاحقاً حين رويتُ القصة، قال لي الناس: "كيف لم تصرخي؟ كيف لم تهربي؟"

والإجابة الحقيقية — التي لا أستطيع أن أُبرّرها بالمنطق — هي أن الصدمة لا تُعطيك خياراتٍ أحياناً. تُجمّدك. وأنا وقفتُ مُتجمّدة أنظر إليه.

كان يُمسك مفاتيحه. ووجهه — للمرة الأولى في سنة وسبعة أشهر — لم تكن عليه ابتسامته.

قال: "تعملين متأخرة."

قلتُ: "تقرير."

"ثاني مرة في أسبوعين."

لم أُجب.

خطا خطوةً داخل القسم. "USB اختفى من مكتبي."

"لا أعرف عنه شيئاً."

"سارة." قالها بنبرة مختلفة — أهدأ وأكثر برودةً من أي نبرة سمعتُها منه. "أنا رجل ذكي. وأنتِ ذكية. ما معنى أن نُضيّع الوقت؟"

وفي تلك اللحظة — وأنا أنظر إليه ويداي خلف ظهري تُمسكان هاتفي بإحكام — ضغطتُ على اسم آخر في قائمة الاتصال وتركتُه يرنّ بصمت.

كان اسمه: ضابط الشرطة الذي التقيتُه الأسبوع الماضي. كنتُ قد أعطيتُه رقمي وأخذتُ رقمه. وكنتُ قبل أن أدخل المكتب اليوم قد أرسلتُ له رسالة: "أعتقد أن لديّ دليلاً جديداً. سأبقى في المكتب حتى التاسعة."

الرسالة أُرسلتْ. والرنين صامت في يدي الآن.

وكنتُ أحتاج فقط أن أُبقي نادر يتكلم ثماني دقائق.

قلتُ: "حسناً. أنت رجل ذكي. وأنا ذكية. إذن تكلّم."

نظر إليّ. وشيء في صوتي — ربما الهدوء غير المتوقع — جعله يُعيد حساباته ثانيةً.

قال: "ما وجدتِه ليس ما تعتقدينه."

"إذن ما هو؟"

خطا خطوةً أخرى. "أنا محتاج تُعيدي لي الـ USB. وتنسَيْن ما رأيتِ. وحياتك تكمل كما كانت."

"وإذا لم أفعل؟"

ابتسم — تلك الابتسامة التي كنتُ أعرفها، لكنها الآن بدتْ كأنها تُغطّي شيئاً مختلفاً تماماً.

وفي تلك الثانية — سمعنا أصواتاً من الممر.

خطوات سريعة. أكثر من شخص.

التفتَ نادر نحو الباب.

ودخل ثلاثة رجال — الضابط الذي قابلتُه في الأسبوع الماضي ومعه شخصان آخران.

الشرطة تصل لإنقاذ سارة

ما جاء بعد

اعتُقل نادر تلك الليلة.

الساعات التي تلتْ كانت من النوع الذي تعرفه العقول لكن لا تستطيع هضمه — أسئلة وشهادات وأوراق ومحامون وشخص يضع أمامك كوب ماء ويقول "خذي وقتك." وأنتِ تجلسين في كرسي وتتساءلين إذا كانت هذه الحياة الحقيقية أم شيء تُشاهده من بعيد.

الأدلة التي جمعتُها — رغم أن الـ USB أُخذ بصورة غير قانونية — كانت المرشد للتحقيق لا الدليل المباشر. وبناءً على ما رأيتُه أعطيتُ للمحققين تحديداً لما يبحثون عنه: أرشيف الكاميرات، البريد الإلكتروني المرسل لهنادي، غيابات الأيام المحددة.

والبريد الإلكتروني كان مسمّاراً في النعش.

رجل يستدرج زميلته للمبنى في وقت متأخر من الليل في يوم ثبتَ لاحقاً أنه كان آخر يوم في حياتها — هذا لا يحتاج إلى كثير من التفسير أمام قضاة ومحققين محترفين.

الضابط أخبرني لاحقاً أنه حين أرسلتُ له الرسالة في الصباح وقلتُ "أعتقد أن لديّ دليلاً جديداً"، قرّر أن يمر قرب المبنى في نهاية دوامه تحسّباً. وحين رأى اسمي في الاتصال الصامت أدرك أن شيئاً يجري وجاء فوراً.

ثماني دقائق.

الفرق بين الكثير والقليل كان ثماني دقائق.

ما يتبقّى بعد كل شيء

مضتْ أشهر.

القضية لا تزال في مراحلها القانونية. القانون بطيء — لكنه هذه المرة يسير في الاتجاه الصحيح. هنادي والمرأتان الأخريان لم يُعثَر عليهن بعد — وهذا هو الجزء الذي يُبقي شيئاً ثقيلاً في قلبي لا يذهب.

تركتُ الشركة بعد شهر من الاعتقال. لم أستطع العودة إلى ذلك المكتب. إلى تلك الطاولة الزجاجية. إلى الكرسي الفارغ أمامي.

وحين يسألني الناس: "كيف لم تُلاحظي من البداية؟"

أقول لهم: هذا هو السؤال الخاطئ.

السؤال الصحيح هو: كيف يختبئ شخص بينك وبين نفسه بهذه الكفاءة؟ كيف يتعلّم الإنسان أن يُقدّم نسخةً منه تجعل الآخرين لا يشكّون؟ وإذا كان هذا ممكناً — فكم واحداً مثله يجلس الآن في مكاتب أخرى ويُحضر كعكاً في أعياد الميلاد ويسأل عن ظهر الزميل المريض؟

لا أعرف الإجابة.

لكنني أعرف شيئاً واحداً تعلّمتُه بطريقة لن أنساها:

حين يُسكنك شك لا تستطيع تفسيره — لا تُسكته. استمع إليه. لأن الحدس ليس خيالاً — هو معرفة لم تُحوَّل بعد إلى كلمات. وكثيراً ما يعرف جسدك الحقيقة قبل أن يُدركها عقلك.

وكثيراً ما تكون هذه المعرفة المبكرة — هي الفرق.


إلى هنادي وكل من اختفى دون أن يجد أحد طريقه — لن تكون مجرد خبر.