شوارع أمريكا ليلاً في عصر الحظر عشرينيات القرن العشرين

في عام 1920، فعلت الحكومة الأمريكية شيئاً لم تتوقع عواقبه: حظرت الكحول.

كان القصد نبيلاً — تقليل الجريمة، وحماية الأسر، وبناء مجتمع أكثر أخلاقاً. لكن ما حدث كان العكس تماماً. في اللحظة التي أصبح فيها بيع الكحول غير قانوني، تحوّل إلى ذهب سائل في يد من يجرؤ على المخاطرة.

ومن جرؤ كان المافيا.

خلال السنوات الثلاث عشرة التي امتد فيها الحظر، تحوّلت عصابات صغيرة مبعثرة في أحياء المهاجرين الإيطاليين إلى إمبراطورية بمليارات الدولارات تمتد من نيويورك إلى شيكاغو إلى لوس أنجلوس. إمبراطورية لها قضاتها ومحافظوها وشرطتها ومشرّعوها — كلهم في جيبها.

هذه قصة كيف حكمت المافيا الإيطالية الأمريكية أقوى دولة في العالم لأكثر من نصف قرن.

الجذور — من صقلية إلى شوارع نيويورك

اجتماع زعماء المافيا في غرفة مظلمة حول طاولة

لم تولد المافيا في أمريكا. ولدت في صقلية الإيطالية في القرن التاسع عشر، حين كان الفلاحون يعيشون تحت قمع الحكام الأجانب ويحتاجون من يحميهم خارج إطار الدولة الفاسدة.

نشأت "كوزا نوسترا" — ومعناها حرفياً "شأننا نحن" — كمنظومة حماية غير رسمية. من يريد حل نزاع، أو استرداد دين، أو ردع خصم، يلجأ إلى الرجل المحترم في الحي. مقابل ثمن، بالطبع.

حين بدأت موجات الهجرة الإيطالية إلى أمريكا أواخر القرن التاسع عشر، جاء المهاجرون بكل شيء معهم — بما فيه هذه الثقافة. في أحياء مانهاتن وبروكلين وشيكاغو، وجد المهاجرون الفقراء أنفسهم في مدن ضخمة مجهولة، بلا صلات ولا حماية. عادوا إلى ما يعرفونه.

في بداية القرن العشرين، كانت هناك بالفعل خلايا تنظيمية إيطالية في المدن الأمريكية الكبرى. لكنها كانت متفرقة، وكثيراً ما تتقاتل فيما بينها. ما لم يكن متوقعاً هو القرار الحكومي الذي سيوحّدها ويجعلها أقوى من أي وقت مضى.

الحظر — الهدية التي لا تُقدَّر

حفل راقص في حانة سرية أمريكية عشرينيات القرن الماضي

في يناير 1920، دخل التعديل الثامن عشر للدستور الأمريكي حيز التنفيذ: إنتاج وبيع الكحول ممنوع.

في غضون أسابيع، انتشرت آلاف الحانات السرية — الـ"Speakeasies" — في كل مدينة أمريكية. كانت مخبّأة خلف مصبغات وحلاقين وأفران خبز. الزبائن يطرقون الباب برمز معين، تنفتح فتحة صغيرة، يُنظر إليهم، ثم يُفتح الباب.

من يورّد الكحول لهذه الحانات؟ المافيا.

من يحمي أصحاب الحانات من الشرطة؟ المافيا — بعد أن دفعت هي الأخرى لرجال الشرطة.

من يمتلك مصانع الكحول السرية؟ المافيا.

الأرباح كانت خيالية. يُقدّر المؤرخون أن آل كابوني — أشهر زعماء المافيا في شيكاغو — كان يجني ما يعادل اليوم مليار دولار سنوياً من تجارة الكحول وحدها. وهذا في الثلاثينيات.

الحظر لم يوقف الشرب. غيّر فقط من يجمع الأرباح.

عصر الذهب — الخمسينيات والسيطرة الكاملة

بعد انتهاء الحظر عام 1933، لم تضعف المافيا. كانت قد نمت وتمركزت وأقامت علاقات راسخة مع السياسيين والقضاء والشرطة. ببساطة انتقلت إلى أعمال أخرى: القمار، وقروض المرابحة، والنقابات العمالية، والبغاء، ولاحقاً المخدرات.

في عام 1931، وبعد حرب دموية بين الفصائل المختلفة، اجتمع زعماء الجريمة الإيطاليون الأمريكيون وأسّسوا "العمولة الوطنية" — مجلس أعلى للمافيا يضم ممثلين عن العائلات الخمس الكبرى في نيويورك وعائلات المدن الأخرى. كان هذا بمثابة حكومة الظل لأمريكا الجريمة المنظمة.

العائلات الخمس في نيويورك أصبحت أسماء يُهمس بها بخوف: جينوفيزي، غامبينو، لوكيزي، بونانو، كولومبو. كل عائلة تسيطر على منطقة جغرافية وقطاعات اقتصادية بعينها. لا تتدخل في نفوذ الأخرى. أي خلاف يُحسم في "العمولة".

كان هذا تنظيماً أكثر انضباطاً من كثير من الشركات القانونية.

الانهيار — كيف انكسرت الإمبراطورية

محاكمة أحد زعماء المافيا في محكمة أمريكية

لعقود، كان مدير FBI الأسطوري جون إدغار هوفر يُصرّ رسمياً على أن المافيا غير موجودة في أمريكا. هل كان يكذب؟ ربما. هل كان يخشى فتح معركة لا يستطيع كسبها؟ ربما أيضاً. لكن هذا الإنكار الرسمي أعطى المافيا عقوداً من الأمان.

التحوّل جاء عام 1957، حين انكشف اجتماع سري لأكثر من ستين زعيم مافيا من مختلف أنحاء أمريكا في بلدة صغيرة تُدعى أبالاكين بولاية نيويورك. ضابط شرطة محلي لاحظ سيارات فاخرة غريبة، وأبلغ عنها. حين داهم المكان، فرّ الجميع عبر الغابات في بدلاتهم الأنيقة.

كان الأمر محرجاً للغاية ولا يمكن إنكاره. هوفر اضطر للاعتراف بوجود المافيا.

من هذه النقطة بدأ FBI يُركّز عليها فعلياً. وفي عام 1970، جاء السلاح القاتل: قانون RICO — قانون المنظمات الفاسدة والمتأثرة بالابتزاز. لأول مرة، أصبح بالإمكان ملاحقة الزعيم بسبب جرائم ارتكبها أفراد عصابته، حتى لو لم يكن حاضراً.

عناصر FBI يداهمون مستودعاً للمافيا في أمريكا

لكن الضربة الأقسى جاءت من الداخل.

في الثمانينيات، بدأ أعضاء المافيا يكسرون القانون الأقدس — قانون الصمت المطلق "أوميرتا". تحت ضغط أحكام السجن الطويلة، تحوّل عدد كبير من الأعضاء إلى شهود تعاون. أشهرهم هنري هيل الذي صارت قصته فيلم "Goodfellas"، وسامي "الثور" غراڤانو — نائب الزعيم الأقوى في تاريخ عائلة غامبينو — الذي شهد ضد رئيسه جون غوتي فأودعه السجن مدى الحياة.

لم يعد أحد يثق بأحد. والمنظمة التي قامت على الولاء والصمت بدأت تنهار من الداخل.

هل ماتت المافيا؟

الجواب المختصر: لا.

العائلات الخمس في نيويورك ما زالت موجودة حتى اليوم، وإن كانت أصغر وأكثر حذراً وأقل نفوذاً مما كانت عليه في عصرها الذهبي. الجريمة المنظمة تكيّفت مع العصر الرقمي — الاحتيال الإلكتروني وغسيل الأموال واستغلال عقود البناء بدلاً من حروب الشوارع المكشوفة.

لكن الإمبراطورية التي كانت تجمع الإتاوات من كل ميناء ومطعم ونقابة عمال في المدن الكبرى، التي كانت تحدّد من يُنتخب ومن يُعيَّن، التي كان زعماؤها يستقبلون في القصور ويُصافحون الوزراء — تلك الإمبراطورية انتهت.

ما تبقّى هو ظلّها.

والظل يكفي أحياناً ليُذكّر الجميع بأن الأصل كان موجوداً — وأنه كان هائلاً.